القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

وسائل النقل والمواصلات فى مصر القديمة


الدراسات السابقة

فتتناول هذه الدراسة أحد الموضوعات الحضارية الهامة في حياة مختلف شعوب الأرض قديماً وحديثاً وبالتالي في مصر القديمة وهو "وسائل النقل والمواصلات في مصر القديمة".

ولقد لاحظ الباحثون قلة الدراسات التي تناولت هذا الموضوع من جميع عناصره في دراسة واحدة، فقد خصص ارمان حوالى 5 صفحات فقط أكثرها للحديث عن الخيل والعربة وهما أكثر وسائل النقل البرى في مصر القديمة تعرضاً للبحث، ولكنهما يقتصران فقط على الفترة التاريخية بدءاً من الدولة الحديثة، مهملاً بذلك الدور الذى أدته باقي وسائل النقل البرى على مر العصور المختلفة ودور وسائل النقل المائي، وجاءت مقالة LÄ مختصرة جداً، وكذلك كتاب بارتريدج Partridge عن النقل في مصر القديمة Transport in Ancient Egypt, London, 1999 جاء في معظمة مخصصاً للنقل المائي وتناول باقي عناصره النقل البرى بصورة عامة مختصرة، ويعتبر هذا الكتاب جوهر دراستنا فيما يخص النقل المائي لأفاضته واسترساله في الحديث عنها رغم وجود بعض الفجوات والنواقص التي استعضنا في سدها ببعض المراجع الأجنبية والغير مترجمة والتي قام الباحثون بترجمتها واستحسان ما ينفع الدراسة منها، وأكثر من أفاض عن النقل البرى في المؤلفين الأجانب هو فاندييه Vandier في الجزء الرابع من كتابه Manuel d'archéologie Egyptienne عند تناوله للمحفات، أما باقي وسائل النقل البريه الأخرى وخاصة الحيوانات فكان يرد الحديث عنها ضمن الحديث عن الحيوانات في مصر القديمة بصفة عامة، مهملاً أيضاً الحديث عن وسائل النقل المائي، وتعتبر مقالة فوكنر Faulkner R.O., "Egyptian seagoing ships" هي أداة مرجعية هامة لدراسة النقل المائي في مصر القديمة إن كان في أغلبها يتحدث عن المراكب التي قامت بالرحلات البحرية فقط دون ذكر بقية أنواع المراكب اللهم الا قليلاً، كما أن كتاب Björn Landström, Ships of pharaohs, 1970 يعتبر من الكتب المميزة في نطاق النقل المائي ويتميز في ايضاحه للمراكب بشكل مفصل والتحدث عنها في المراحل المختلفة بصورة مختصرة، كما خصص مونييه في كتابه "الحياة اليومية في مصر في عصر الرعامسة" فصلاً كاملاً عن بعنوان الاسفار ويتحدث فيه عن باختصار عن الوسائل التي استخدمها المصريين في اسفارهم، واذا جئنا للحديث عن الدراسات العربية حول هذه الموضوع فلابد أن نعرج على رسالة د. محمود سيف الدين أحمد لنيل درجة الماجستير والتي تحمل عنوان "وسائل النقل والمواصلات البرية في مصر القديمة دراسة حضارية" ويكفينا فخراً أن هذه الرسالة هي أفضل دراسة موجودة حالياً تتحدث حول النقل البرى باستفاضة دون بخل علمي أو تقصير مهني اللهم الا في تأريخ بعض الدلائل الاثرية الخاصة بوسائل النقل البري وسوف نشير اليها في الدراسة مع التصحيح، وهذه الرسالة كانت السبب في لفت انتباه الباحثين الى هذا الموضوع، فأراد الباحثين أن يكملوا هذا الموضوع بالحديث عن وسائل النقل والمواصلات بصفة عامة من حيث النقل البري والنهري رغم إن الدراسات العربية حول هذا الموضوع تعتبر قليلة جداً. كما أن رسالة د. مصطفى عطا الله محمد خليفة وهي أيضأ رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بعنوان "أسماء المراكب واستخداماتها من خلال النصوص والمناظر المصرية القديمة حتى نهاية الدولة الحديثة" تمدنا بمعلومات نفيسة حول المراكب وأنواعها وطرق البناء والاستخدامات التي تخص كل نوع وبالتالي تعطينا معلومات حول النقل المائي في مصر القديمة وهذان الرسالتان هما أهم الرسالات العلمية العربية في دراسة هذا الموضوع.

ونرجو من الله وأن نُسدد في الالمام بشتات المعلومات حول هذه الدراسة من كل كتاب قد ذكر شيئاً حولها وإن كان سطراً، فهو موضوع لا يقل أهمية عن أي موضوع حضاري آخر...والله ولى التوفيق.


مقدمة

وتعتبر وسائل المواصلات البرية والمائية هي أقدم وسائل انتقال ونقل عرفها الانسان وذلك قبل معرفة المواصلات الجوية في العصر الحديث. وقد جاء ذكر هذين الوسيلتين في القرآن الكريم في أكثر من موضع* وقد جاء تقديم البر على البحر في العديد من الآيات لسهولة الانتقال البري للإنسان عن الانتقال في الماء الذي قد لا يتوفر في كثير من البيئات، فضلاً عن احتياج ركوب الماء إلى وسائل نقل خاصة وما يصاحب ذلك من أخطار جسيمة لا يقدم عليها إلا كل مقدام.

وقد لعبت المواصلات البرية والمائية دوراً هاماً في الحضارات القديمة والحديثة على حد سواء مع اختلاف العصور، وكانت للثورة الصناعية في أوروبا دوراً هاماً في تطور هذين النوعين من المواصلات في العالم، فمع اكتشاف القوى البخارية وظهور القطارات والسيارات تم ربط العالم بصورة أفضل وأسرع، وكلما تقدمت الدول كلما كانت وسائل مواصلاتها أكثر تطوراً، وقد تحرم بعض الدول من وجود منافذ بحرية إلا أنه لا توجد دولة تستغنى عن الانتقال البري رغم معرفة المواصلات الجوية.

وفى العالم القديم حرصت الإمبراطوريات الكبرى على توفير طرق إمداد مواصلات برية ومائية قوية لسهولة ربط أجزائها الشاسعة.

                                                 البيئة المصرية

تميزت مصر عن جيرانها في الشرق الأدنى القديم ببيئة متميزة برية ومائية، فحملت ضمن مقوماتها الحضارية عنصرين أساسيين هما النيل والصحراء.

أولاً النقل والمواصلات المائية: -

لعب النيل الدور الرئيسي في إقامة دعائم الحضارة المصرية القديمة، فقد خفف من جفافها الى حد كبير، وأخرجها من الطابع الصحراوي للمنطقة وأصبغ عليها طابع الاستقرار، وأدت خاصية الامتداد الرأسي له من الجنوب الى الشمال مع ندرة فروعه إلا قرب مصبه الى تركز العمران البشرى حوله في مساحات صغيرة ولكن في نفس الوقت كان العامل الرئيسي في تيسير الاتصالات البرية ووسائل النقل المائية بينهم مما أدى لظهور أول وحدة سياسية كبيرة مستقرة معروفة في تاريخ البشرية كلها[1]. وكان لنهر النيل الأثر الأكبر في تطور وسائل السفر المائية منذ أقدم العصور، حتى في الكلمات الدالة على السفر في النيل  xnty بمعنى "السفر ضد التيار"[2] و  xdi بمعنى "السفر مع التيار"[3] أصبحتا تستخدمان للتعبير عن السفر للجنوب والشمال بصفة عامة حتى لو كان الامر لا يعدو التجول في الصحراء.[4]

وقد قام المصريون كذلك بركوب البحرين الأبيض والأحمر حيث قاموا بالعديد من الرحلات عبرهما الى الساحل السوري أو الى بلاد بونت وذلك طول العصور المصرية، وسجل ذلك العديد من المناظر والنصوص سواء التاريخية مثل نصوص الافراد المختلفة أو الأدبية مثل قصة نجاة الملاح وقصة ون آمون أو الدينية مثل أسطورة أوزير ورسو تابوته على شاطئ جبيل، وكان لهذين البحرين أهمية كبيرة في اتصال مصر بجيرانها سواء كاتصالات سياسية أو عسكرية أو تجارية.

وتطورت السفن في أشكالها ومواد صناعتها وأحجامها على مر العصور المصرية القديمة واستخدمت في شتى أغراض النقل والمواصلات سواء على نهر النيل أو البحرين الأبيض والاحمر وتعددت أسماؤها وكان بعضها يستخدم في أكثر من غرض في نفس الوقت. ففي أغراض النقل النهري كان هناك 15 نوعاً مختلفاً من السفن بعضها اقتصر على الاحمال الخفيفة كالحبوب والنباتات، وبعضها كان مخصصاً للأثقال الضخمة مثل الأحجار والماشية والمسلات، وفى أغراض النقل البحري والرحلات النهرية كان هناك 8 أنواع لكل غرض منها.[5]
ففي الأغراض الدينية والجنائزية كان هناك 7 أنواع تستعمل لنقل جثة المتوفى أو نقل الأثاث الجنائزي أو السفر في الرحلات المقدسة هذا بخلاف سفن المعبودات المقدسة التي كان لكل منها طرازها الخاص.[6]

ثانياً: الصحراء والمواصلات البرية: -

لم تقل الصحراء في أهميتها عن النيل في إقامة أسس الحضارة المصرية فهي وإن كانت مثل غيرها من صحراوات العالم القديم في مظاهر الجدب وفى نشاط سكانها البدو في الأغارة على الحواف الزراعية وطرق التجارة البرية إلا أنها ظللت أما حانية للحضارة المصرية فحمت البلاد من الغزوات الخارجية مما ساعد على استقرار البلاد وتحقيق الوحدة الجنسية بين شعبها وضمان الأمن الداخلي إلى حد كبير. وعلى جانب آخر فقد أمدت الصحراء البلاد ببعض مقومات المدنية المادية، وذلك نظراً لتوافر المعادن كالذهب والنحاس وكثرة الأحجار مع تعدد ألوانها وأنواعها مما سهل إقامة أروع عمائر حجرية في العالم القديم عن أثرها في تحقيق الخلود لجثث الموتى في رمالها.[7]

وإذا اضفنا الى ذلك اعتدال المناخ في البيئة المصرية مع عدم الاتساع الكبير لرقعة البلاد، فقد أدى ذلك الى لانطلاق المصري القديم في أنحاء البلاد، فارتاد المصريون الصحراء منذ أقدم تاريخهم كما تشهد بذلك النقوش العديدة في أودية الصحراء بحثاً عن الأحجار والمعادن.

وقد قسم النيل الصحراء المصرية الى قسمين الصحراء الشرقية والصحراء الغربية، واختلفت كلتاهما عن الأخرى في الطبيعة والمميزات والأهمية، فبينما تمتاز الصحراء الشرقية بوجود الهضاب والجبال التي تخترقها الاودية العديدة التي كان يجرى فيها الماء في العصور القديمة وأصبحت هي الطرق التي يسلكها الافراد والبعثات في الصحراء، وتعتبر الصحراء الشرقية ذات مكانة اقتصادية هامة لغناها بمحاجر الأحجار المختلفة مثل الحجر الجيري والحجر الرملي والكوارتزيت والمرمر والمعادن مثل الذهب والفضة والالكتروم والرصاص والدهنج والاحجار نصف الكريمة مثل الجمشت والزمرد وحجر الدم، ولهذه الأهمية الاقتصادية فقد أرسلت البعثات الملكية إليها منذ أقدم العصور، وحرصت الدولة على تزويد الطرق فيها بالآبار اللازمة وحراستها من البدو وقطاع الطرق، ويعد وادي الحمامات أهم أودية الصحراء الشرقية لدوره الهام في الاتصال بالبحر الأحمر حيث تتجه البعثات من هناك بعد ذلك إلى بلاد بونت. وتختلف الصحراء الغربية حيث تمتاز بانبساطها وندرة الهضاب والجبال وخلوها من المحاجر والمناجم إلا في أقصى الجنوب بالقرب من النوبة حيث محاجر توشكي والتي يستخرج منها الجرانيت والديوريت وبعض الأحجار نصف الكريمة مثل الجمشت والعقيق، وترجع أهميتها الاقتصادية لوجود الآبار والعيون وسط الصحراء وفيما يعرف بالواحات والتي سمحت بتواجد سكاني في هذه الواحات منذ أقدم العصور الحجرية وذلك بالإضافة الى الطرق التجارية التي تمر بها وتصل مصر بليبيا وبلاد النوبة وأهمها درب الأربعين. واختلفت الطرق البرية في الصحراء عنها في داخل البلاد والتي أطلق عليها المصريون القدماء الأرض السوداء في مقابل الأرض الحمراء كتسمية للصحراء، فنشأ معظمها في الصحراء على الاودية القديمة أو في الأماكن المتسعة بين الجبال وكانت ذات أهمية اقتصادية لكونها الطريق الذي تسلكه البعثات إلى المحاجر أو المناجم أو البعثات التجارية وكذلك ذات أهمية عسكرية مثل طريق حور الحربي في شمال سيناء الذي سلكته الجيوش المصرية في غزواتها الخارجية. بينما في داخل البلاد نشأت الطرق إما نتيجة لمرور الدواب عليها كدروب ضيقة أو على جانبي الترع والقنوات فيستعمل ضفتاها كطريق بري، ويظهر المخصص في كلمة "طريق" ذلك حيث يصور طريقا محاطاً بأعواد البردي w3t، وعلى أحد هذه الطرق سار القروي الفصيح ومعه حميره، وكان لهذه الطرق أهمية كبري في الحياة اليومية للمصري القديم حيث استخدمها الاشراف في تنقلاتهم الداخلية والفلاحون في ذهابهم لحقولهم وأفراد الشعب في أسفارهم بين المدن القريبة والتجار في تجوالهم. [8]

وقد تعددت وسائل النقل والمواصلات البرية التي استخدمها المصريون القدماء في تنقلاتهم ونقل حاجياتهم عبر الطرق البرية المختلفة سواءً الصحراوية أو الداخلية ويمكن أن نقسم هذه الوسائل الى قسمين: -
- القسم الأول ويشمل الحيوانات والبشر وهو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحاً "القوى المحركة" وهي التي لعبت الدور الأساسي في تحريك وسائل النقل والمواصلات البرية سواء بالجر أو الحمل وأحياناً بعضها كوسيلة نقل برية بمفردها وخاصة عند ركوب الحيوانات أو اعتماد الانسان على نفسه.
- القسم الثاني ويشمل الوسائل المستخدمة في النقل أو الحمل وهي الزحافة والعصا والعربة ذات ال 4 عجلات وبعض الأدوات الأخرى، وفى الانتقال وهي المحفة والعربة ذات العجلتين، وتحتاج هذه الوسائل للقوى المحركة لتشغيلها، وهذان القسمان هما محور دراسة النقل البري والذي سنتناول كل وسيلة منهم على حدي في هذا البحث.
 أما وسائل النقل المائية فتختلف عن وسائل النقل البرية في عدم تعددها فهي تنقسم الى وسيلتين فقط وهما المراكب المصنوعة من البردي وهي الأكثر قدماً والمراكب الخشبية وهي الأكثر استخداماً، وسوف نتناول شرح كل منهما في الفصول التالية من هذا البحث إن شاء الله تعالى.

[1] عبد العزيز صالح، الشرق الأدنى القديم ج1، القاهرة، ط 1989، ص 7.
[2] Wb, III, 309.
[3] Wb, III, 354.
[4] ادولف ارمان – هرمان رانكه، مصر والحياة المصرية في العصور القديمة، ترجمة عبد المنعم أبو بكر ومحرم كمال، القاهرة، 1952، ص 551.

* قال تعالى "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ"                          صدق الله العظيم (يونس – 22)

[5] مصطفى عطا الله محمد، أسماء المراكب واستخداماتها من خلال النصوص والمناظر المصرية القديمة حتى نهاية الدولة الحديثة، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، 1987، ص 418 وما بعدها.
[6] المرجع السابق، ص 424 وما بعدها.
[7] عبد العزيز صالح، المرجع السابق، ص 8.
[8] عبد الحليم نور الدين، النقل البري والمائي في مصر القديمة، موسم محاضرات 2009، ص 20، 21.

تعليقات