من فنون الدولة القديمة - مقدمة

ديسمبر 11, 2019 ديسمبر 12, 2019 0 مراجعة
***مقدمة :-
اذا كان الانسان برتقى بعقله فان الشعوب ترتقى بفنها حيث أن الفن هو تراث البشرية وهو تراث الانسان على مر الزمان والعصور.
ويعتبر الفن هو الروح التى تتحدث عن الشعوب وتوضح مدى تقدمها وإذا كانت الموسيقى هى غذاء الروح والرسم هو رمز الجمال فإن تاريخ الفن المصرى هو شمس مصر الذى يبعث بنوره الى العالم كله وان الفن المصرى والفنان المصرى يعتبر واضعا حجر الاساس لتاريخ الفن كله ،  فاستطاع الفنان أن يجعل من الكتلة الصماء تحفة فنية رائعة تعبر عن أسمى معانى الجمال.


***الفن المصرى القديم :- 

رأينا العقيدة ظاهرة اجتماعية نشأت مع الانسان الاول فى مرحلته البدائية تحت تأثير ارتباطه ببعض القوى الطبيعية التى لم يجد لها تفسيراً وقد حاول التقرب الى تلك القوى- جسدها فى تماثيله مستهدفاً الاستزادة من الدفع والتقليل من الضرر او استخدامها لجلب الدمار لاعدائه وتمثلت قوى الطبيعة فى الشمس والقمر والسماء والرياح والمطر وغير ذلك.
وكان المصرى البدائى حاله مثل الشعوب البدائية الاخرى يشعر بوجود هذه القوى ولكنه عندما اختار بعض الحيوانات او الطير ليقدسها اختار وجهة نظر جديدة لم تكن موجودة من قبل ولد اعتقد ان هذه القوى العلوية الالهية أن كل اله منها لرغبته فى ان ينزل ويتجول بين عبادة المخلصين على الارض يختار أحد الحيوانات أو الطير يحل فيه ، نظرية الإحلال هذه نفهم منها بأن المصرى لم يعبد الحيوان - اذ انه من غير الانصاف للمصريين ان نحكم انهم قد اعتبروا هذه الحيوانات الهه فى حد ذاتها.. مثل هذا الحكم الخاطئ قد بنته شعوب أخرى من العالم القديم وهم اليونان على وجه التحديد. ان المصرى لم يقدس الحيوان انما اعتقد ان الاله يحل فيه ، كذلك لم يقدس هذا الحيوان او ذاك فى كل نماذجه انما اختار نموذجاً معيناً لهذا الغرض بمعنى ان البقرة حتحور لم تكن اية بقرة وانما اختارت الالهة حتحور بقرة لها مواصفات معينة تحل فيها "أحياناً". 
لقد دمج المصريين الاساطير حول أشخاصها وأفعالها وقد وصلنا عدد قليل من هذه الاساطير فى صورة كاملة ومن عصور متأخرة نسبيا ووجدت أشارات لا حصر لها عن احداث أسطورية فى بعض النصوص القديمة توضح ان هذه الالهه والكون الذى تشغله معتبرة خالدة فمظاهر الطبيعة مستمرة من الماضى من أزمان بعيدة سحقية لكن المنطلق المصرى تتطلب وجود لحظة أزلية ما تخلقت فيها العناصر الكونية والهه المختلفة للمرة الاولى بالضرورة أطلق عليها بدء الخليقة او الوجود الاول او بعبارة اخرى نشوء العالم المرئى.
ولقد أثار الاسلوب الذى تم به خلق (الآلهه والبشر والاشياء) للمصريين وتعددت الاراء حول ذلك-الخلق. وقدم العديد من اللاهوت-الاساطير لتفسير نشأة العالم وكان أكثرها أهمية ثلاث : فلسفة (الاشمونين- وهليوبوليس- ومنف) 
   أ- أما الاشمونين فانها تؤكد انه لم يكن ثمة شئ ما سوى اللاوجود والتى تخيلها كعنصر عبارة عن (المياه الازلية) تتجسد فى الاله (نون) والذى أطلق عليه الواحد القديم فهو المبدأ الاول والأصل الاول .

وقوام هذا الازل خواص اربع يمثل كل منها زوجين ذكر وانثى من المعبودات 
- فالخاصية الاولى هى العمق العظيم ويجسدها نون ونونيت .
- والخاصية الثانية هى اللانهاية ويجسدها حوح وحوحيت .
- والخاصية الثالثة هى الظلام المخيم ويجسدها كوك وكاوكت .
- أما الرابعة فهى اللارية ويجسدها آمون وآمونت .
وغير معروف تماما تطور هذه العقيدة الكونية الاشمونية حيث أنها اختلطت من زمن مبكر بلاهوت هليوبوليس .
 ب- وهليوبوليس (أو عين شمس) معبودها الإله اتوم Atom فقد بدأ وجوده الذاتى فوق قمة تل أزلى انبثق بدوره من المياه او اللانظام الازلى فبعد ان انحسرت مياه المحيط السرمدى عن التل العالى خلق هذا الاله نفسه بنفسه عندما نطق اسمه .
وآتوم يعنى فى المصرية القديمة (الكامل أو المطلق) له ثلاث صفات رئيسية فهو الذى أتى الى الوجود بنفسه وهو الاقدم أو الازلى كما أنه الاوحد وعلى ذلك فهو الحاكم على كل الالهة الاخرى .
ويصعب ان نقرر من كان الاقدم فى وجوده الازلى الاله نون ام اتوم ام شو لانه اتوم كان متحققا طول الوقت فى نون وان الاله شو ولد فى عين الوقت ومع شو وتفنه كون اتوم ثالوثا من جوهر واحد .
وتزوج شو وتفنوت وأنجبا اثنين هما جب واخته نوت وتزوجا وانجبا أربعة: أوزوريس وايزيس (ايزيس فى المصرية القديمة معناها العرش) وست ونفتيس 
لقد احبت ايزيس اخيها اوزوريس مما اوغر صدر ست الذى دبر له مؤامرة انتهت بأن اغلق على اوزوريس تابوت رماه فى النيل حيث جرفه التيار الى شواطئ فينقيا (لبنان الان تقريباً) وهناك على الشاطئ رسا التابوت حيث كانت شجرة وارفة دخل التابوت فى صلبها واصبح فى جذع الشجرة الذى قطعه ملك الناحية لتكون عموداً يرفع به سقف بيته.. 
واستطاعت ايزيس ربه الساحرات ان تحيل نفسها الى طائر ثم تحيل نفسها الى مرضعة لطفل هذا الملك ثم اخذت العمود الى مصر القديمة ففتحته فى احراش الدلتا وفتحت التابوت حيث اوزوريس مسجى فيه ، وبسحرها استطاعت ان تتحد مع روحه وتحمل منه وكان ست فى ذلك الحين يصيد فى احراش الدلتا فسمع رفرفة الطائر ثم شاهد اخيه واخته فثار ثورة عارمة قطع جثة اوزوريس الى اربعة عشر قطعة بعثرها فى الوادى ،  ودفنت ايزيس كل جزء منها فى مكانها حيث قامت بعد فى نفس هذه الاماكن مدافن ومعابد وقد انجبت ايزيس حورس الذى دخل فى معركة مع عمه بعد ان كبر انتصر فيها عليه لكنه فقد عينا فصارت رمزاً للقربان اما أوزوريس فقد أصبح اله الموتى واله العالم الاخر. 
 ج- أما منف فعندما كانت العاصمة السياسية لكل البلاد فى الفترة ما بين عصرى الاسرتين الثانية والخامسة كان هناك الاله بتاح وكانت ثمة ضرورة عقائدية وسياسية معاً لاجراء ضرب من المصالحة بين لاهوت هليوبوليس الذى احتل فيه الاله اتوم دور الاله الخالق وبين لاهوت منف الذى يتمتع فيه الاله بتاح بهذا الدور.
أما رع اله الشمس فهو اهم الاله المصرية واشهرها وهو يأخذ هيئة الانسان وعبد كخالق العالم (ايضا هناك عدة اساطير لرحلة رع فى السماء) اخترنا احداها نرى فيها رع تلده نوت كل صباح ويسافر فى قاربه عبر السماء من الشرق للغرب وهو فى اول النهار خبرا لجعران وفى اخره هو آتوم ثم تبتلعه نوت اخر النهار ليأخذ رحلته فى العالم الاخر ليبعث من جديد فى اليوم التالى ويمثل الاله تحوت فى بعض الاساطير الها للقمر فهو يأخذ نائب الاله رع فى السماء اثناء الليل ويطلق عليه عندئذ رع الساطع ليلاً الا أن هناك مفهوماً اخر للقمر مأداه ان عينى الاله رع هما الشمس والقمر فالشمس عينه اليمنى أما اليسرى فهى القمر ولقد اصبح رع الاله الرسمى للبلاد منذ الاسرة الرابعة قم ادمج مع آمون منذ الدوله الحديثة تحت اسم آمون رع .
وفى الواقع ان عقيدة المصرى مليئة بأسماء الآلهة كل منها له حيوانه او طيره المقدس الذى يحل فيه وكل منها له صفاته ووظيفته واسطورته وفى عقيدة المصرى الخلود بعد الموت اذ ان التربه الصحراوية انعدام الامطار الموسمية قد جعلتا جثث الموتى المدفونة فيها تحفظ بكثير من ملامحها نتيجة للجفاف المطلق حولها أطول مدة ممكنه ولاشك ان المصرى الاول قد دهش لحالة الحفاظ الذى يجد عليها جثث آبائه.. فاعتقد ان الموت لم يكن الا صورة من صور الحياة يفقد فيها الانسان مقومات الحركة واعتقد ان الموت يصيب الجسم الخارجى فقط اذا قامت عملية التحنيط لمساعدة الجثة فى ان يحتفظ الجسم بشكلة مدة طويلة .
ويطلق على الجسم بعد تحنيطه اسم (سا) فى حين تبقى عناصر اخرى يحويها الجسم الميت تتمتع بالحياة والسعادة فى العالم الاخر ، هذه العناصر تبعا لعبض المراجع وبعض التفاسير هى :- 
1- البا : وهى التى تطلق عليها الروح صورها المصرى على هيئة طائر له رأس انسان تطابق ملامح وجه صاحبه وهى تنفصل عن الجسم عند الموت وتطير خارج المقبرة لانها تريد التمتع بالحياة ولكنها تعود من حين لاخر اليها لزيارة صاحبها اذا كانت جثته على حالتها عند الموت . 
2- الكا: ونعبر عنها بكلمة القرين وهى عبارة عن جسم اثيرى حى يسكن الجسم المادى ويشبهه ويتطابق معه فى كل شئ ويخلقها الاله حتوم فى نفس الوقت لكنه ينفصل عنه بعد الموت ويبقى حيا مع الجسم فى المقبرة ما دامت الجثة محنطة وسليمة والقرابين تقدم اليها ويعبر عنه الفنا المصرى فى رسومه او تماثيله بشكل الميت يحمل فق راسه ذراعان مرفوعان لاعلى هكذا U. 
3- الاخ او الاخت: وهو الشخصية المعنوية لصحاحبها تنفصل عن الجسم عند الموت وتصعد الى السماء لتصبح نجماً يتلألأ على صفحتها فى الليل 
4- الايب او الابت: أى القلب الذى اعتبره المصرى بمثابة الضمير فهو مركز الاحاسيس البشرية والموحى لصاحبه بالاعمال الخيرية منها والشريرة ، وهو يصبح الشاهد الوحيد عندما يمثل الميت امام محكمة اوزيريس حيث يوزن فيحدد مصيره اما الجنة (ايارو) واما الى العذاب لذلك بفضل هذا العصر اطلق على الحضارة المصرية انها فجر الضمير. 
ولقد زودت المقابر بالادوات والاثاث والمأكولات وصور على حوائطها للحياة اليومية التى يود الميت ان يحياها فى العالم الاخر وحنطت الجثث ووضعت معها تماثيل تشبه الميت.. وفى اعتقاد المصرى ان البا والكا يتجسدان فى الصورة والتمثال وتستمر الحياة الاخرى ويسعد الميت بما فى المقبرة من صور يتمتع معها بالحياة ويبدو أن المقبرة كانت من تخيل المصرى هى مكان الحياة الاخرى فى العصور الأولى من التاريخ المصرى وقد شيد المصرى مقابر بشكل معين : 
 - بدأت أولاً طوال العصر النيولتى بحفر بسيطة فى الارض حيث يرقد الميت بشكل وضع القرفصاء وكان هذا الوضع سائداً فى ذلك العصر كل اوروبا وشمال افريقيا وغرب آسيا ثم كبرت تلك الحفر طولاً وعرضاً وعمقا ثم توسعت المقابر فصارت تتبعها حجرات مختلفة ووضعت فيها انواع التجهيزات خاصة ادوات الاستخدام اليومى وكان يوضع فوق المقبرة كوم من رمل متراكم او احجار تكوم على الارض فوق المكان الذى دفن فيه الجسد ... هذه البداية خدمت غرضين معاً ، فهى منعت أبناء أوى والضباع والحيوانات المفترسة الاخرى من اخراج الجسد من تحت الارض كما حددت موضع المقبرة بعلامة واضحة لاقرباء الميت. 
 - ثم استخدم البناء من الحجر فى قت الملك زوسر من الاسرة الثالثة حتى يمكن له ان يخلد الى الابد 
 - وقد شيد امنحتب هرم زوسر على منحدر على حافة الصحراء الى الغرب من النيل على طول يبلغ 140 متراً من الشرق للغرب ، 118 متراً من الشمال الى الجنوب وترتفع درجاته الست الى 60 متراً وقد اخيط الهرم بعدة ابنية كونت مجموعة جنائزية فريدة ولم يكن هناك غرض لاقامة تلك المصاطب العلوية ، اذ تقع غرفة الدفن اسفل المصطبة الحجرية التى تكون قاعدة الهرم وربما كان سبب ذلك الابتكار هو رغبة امنحتب فى تشييد قبر ضخم للملك يعلو عن قبور اعضاء الاسرة المالكة للدولة المحيطة به . 




                                اجزاء مجمع هرم زوسر المدرج 
الأجزاء:
الهرم
المقبرة الجنوبية
محاريب عيد سد
المعبد T
الساحة الجنوبية
6. المقصورة الجنوبية
7. المقصورة الشمالية
8. المعبد الجنائزي
9. الأروقة الغربية
10. بهو الأعمدة
11. الساحة الشمالية
12. المخازن الشمالية
13. الأروقة الشمالية
14. السرداب

15. المذبح الشمالي



ولقد ألحق بهذا الهرم بهو المدخل ومعبد اليوبيل الملكى والمعبد الجنائزى ويعتبر امنحتب اول فنان عرف اسمه فى تاريخ مصر بل فى تاريخ البشرية وقد اله فى العهود اللاحقة كما اعتبره الاغريق اله الطب والعلوم والهندسة.
وباعتلاء الاسرة الرابعة للعرش اصبح القبر الملكى على شكل الهرم الكامل وكان التخطيط الارضى مربعاً بينما كانت المدرجات تملأ باحجار والجوانب مسطحة وتضاف له قمة مدببة ويبدو ان هذا التغيير من الشكل الهرمى المدرج الى الهرم الحقيقى يعزى الى انتصار عقيدة الشمس الهليوبوليسية ، فهذا الشكل الهرمى كان مستلهماً من البنبن Benben وهو حجر هرمى الشكل مرتفع ومدبب القمة كان يقدس فى هليوبوليس باعتباره مقوى ومستقر الشمس التى تفيض بأشعتها عندما تشرق فى الصباح على قمته ونلاحظ ان الشكل الهرمى هو اصلح الاشكال لاستقرار اشعة الشمس عليه طوال النهار.. وذلك يتفق مع العقيدة الشمسية التى نحن بصدد الكلام عناه أما من الناحية المعمارية فنجد ان الهرم يعد اقوى الاشكال لاستقراره على الارض.
واذا عرفنا ان المصرى القديم لم يكن يعرف المونة ، انما كان يضع الحجر بجانب الحجر ، فإن احجار الشكل الهرمى يسند بعضها البعض ولا يسقط اى حجر منها لانه كلما ارتفع كلما كان سطح الاحجار اقل مساحة وترتكز على سطح اسفلها اوسع منها وتستقر عليه ومع الارتفاع يزداد الضغط على الاحجار الادنى ويصبح التماسك بينهما عندئذ اقوى مايكون..
وتعبتر اهرامات الجيزة الثلاث خير مثال فنجد الشكل النهائى للهرم واضح فهرم خوفو الذى يعد احد عجائب الدنيا السبع بنى على قاعدة طول ضلعها 230 متراً فوق مساحة 12 فدان ويبلغ ارتفاعه الاصلى 145 متراً (ارتفاعه الحالى 137 متراً) وتتميز الكتل الحجرية المستعملة فى تشييد هذه الاهرامات بالضخامة اذ يزن كل حجر منها طنين ونصف ، وسقف وارضية حجرة الدفن من الجرانيت مقاساتها 5.20 *10.80 م ولقد لفت نظر متذوقى الفن نتناسب ارتفاع الهرم بالنسبة الى قاعدته وهى نسبة تسمى النسبة الذهبية. 

شارك الكتاب لتنفع به غيرك

أثرجي

الكاتب أثرجي

قد تعجبك هذه الكتب أيضاً

اكتب مراجعة

0 مراجعة

8357110601245668003
https://www.asargy.com/